صبحي الصالح
111
مباحث في علوم القرآن
قراءة هذا الصحابي بها إنما كانت إدراجا على سبيل التفسير . الخامس : الاختلاف بالتقديم والتأخير فيما يعرف وجه تقديمه أو تأخيره في لسان العرب العام ، أو في نسق التعبير الخاص ، كقوله تعالى في شأن المؤمنين الذين اشترى اللّه منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل اللّه « فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ » قرئ « فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ » « 1 » ففي الحرف الأول يسرع المؤمنون إلى قتل الأعداء ، وفي الحرف الثاني كأنما يتلهفون إلى ساحة المعركة تلهّفا لعل اللّه يتخذهم شهداء . فإذا اختلفت صياغة التعبير بالتقديم والتأخير فإن مؤدى الحرفين ما انفكّ واحدا لم ينله شيء من التغيير . أما قراءة أبي بكر « وجاءت سكرة الحق بالموت » بدلا من قوله تعالى : « وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ » « 2 » فقراءة آحادية لم تبلغ درجة التواتر ، بل شاذة « 3 » خالف بها إجماع الصحابة إن صح أنه قرأ بها : ذلك بأن العرب تعرف للموت سكرة وسكرات ، ولكنها لا تعرف الحق إلا يقظا صاحيا واعيا . وإنما يسهو الإنسان ، أو يزل منه اللسان ، فيضع كلمة مكان كلمة وهو لا يدري كما صنع أبو بكر أو كما رووا عنه ونسبوا اليه . السادس : الاختلاف بشيء يسير من الزيادة والنقصان جريا على عادة العرب في حذف أدوات الجر والعطف تارة وإثباتها تارة أخرى . ولذلك لم تحفظ هذه الضروب من الزيادة والنقص إلا في أحرف قليلة محدودة مع التنبيه على شذوذ كل ما لم يحفظه الأئمة الثقات منها : فمن الزيادة قوله تعالى في سورة التوبة : « وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ » قرئ « من تحتها الأنهار » ، وهما قراءتان متواترتان ، وقد وافق كل منهما رسم مصحف الإمام « 4 » ، فإن زيادتها وافقت رسم المصحف المكّي ، وحذفها وافق غيره « 5 » . ومن
--> ( 1 ) سورة التوبة 111 ( وانظر الاتقان 1 / 80 ) . ( 2 ) سورة ق 19 ( وانظر البرهان 1 / 335 ) . ( 3 ) ومثلها في الشذوذ : « إذا جاء فتح اللّه والنصر » بدلا من قوله تعالى : « إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ » سورة النصر 1 . فليس في مثل هذا حرف من حروف القرآن السبعة . ( 4 ) سورة التوبة 100 ( وانظر البرهان 1 / 336 ) . ( 5 ) الاتقان 1 / 130 .